دافع عن صحة الأطروحة القائلة ليس لكل سؤال جواب استقصاء بالوضع

دافع عن صحة الأطروحة القائلة ليس لكل سؤال جواب استقصاء بالوضع


الطريقة: استقصاء بالوضع.


طرح المشكلة:
يعرف السؤال لغة أنه الطلب والمطلب، أما اصطلاحا فهو استدعاء للمعرفة. لذلك فهو يعتبر المحرك الأساسي لعملية التفكير وتحصيل المعارف، وبالتالي هو جوهر عملية التواصل بين الناس، فلا يمكن أن نتصور حوارا بين اثنين خاليا من الأسئلة. ولأن السؤال ينتظر منه الجواب دائما شاع لدى بعض المفكرين اعتقاد مفاده أن وجود السؤال يترتب عنه حتما جواب، بينما يؤكد آخرون على أنه ليس لكل سؤال جواب، أي أن ما يطرحه الإنسان من أسئلة ليس بالضرورة يجد لها أجوبة. فإذا كانت هذه الأطروحة صادقة والدفاع عنها أمر مشروع حق لنا أن نتساءل: كيف يمكننا الدفاع عن هذه الأطروحة القائلة: "ليس لكل سؤال جواب"؟ وما هي الأدلة والحجج المثبتة لذلك؟ وكيف يمكننا حينها الأخذ برأي مناصريها؟
محاولة حل المشكلة:
عرض منطق الأطروحة: "ليس لكل سؤال جواب".
يتجلى منطق هذه الأطروحة فيما يتبناه عدد من المفكرين والفلاسفة بالقول بأنه ليس لكل سؤال جواب. انطلاقا من كون الأسئلة التي يطرحها الإنسان ليست على شاكلة واحدة، سواء من حيث التعقيد والصعوبة أو من حيث الأثر المترتب عنها دهشة كانت أم إحراجا. حيث نجد عدة أنواع من الأسئلة: أسئلة بسيطة مبتذلة تتعلق بقضايا شخصية أو ربما بمسائل وقضايا تحتاج للإجابة عنها إلى ما نمتلكه من خبرات ومكتسبات قبلية كأن نسأل: هل الماء جسم بسيط أم مركب؟ فنجيب بأنه مركب انطلاقا مما درسناه في مراحلنا التعليمية الأولى، بالإضافة إلى الوضعيات المشكلة والمستعصية والتي تتطلب حلا عمليا، كما لا يجب أن ننسى أهم نوع من الأسئلة بل أرقاها وهي الأسئلة الانفعالية التي قد تثير في النفس الدهشة، وقد تزيد عنها إلى الشعور بالإحراج، حيث يعيش الإنسان في حالة من الانفعال والحيرة ويحس بأنه غير قادر على الإجابة عنها. لهذا كله أكد أنصار هذه الأطروحة أنه ليس لكل سؤال جواب. وأن الواقع وبكل أبعاده يبين لنا أن هناك كثيرا من الأسئلة التي تبقى معلقة وتنتظر جوابا وفصلا نهائيا في المشكلة. وهذا ما يبدو جليا في الكثير من الحالات التي يقف فيها الإنسان عاجزا عن إيجاد جواب أو حل نهائي، وهذا ما يدل على أن هناك نوعا من الأسئلة ليس لها جواب. أو أن الجواب فيها يبقى معلقا ويحتمل الصدق والكذب في الحالتين المتناقضتين، وبالتالي تدور في حلقة مفرغة ولا نصل فيها الى أجوبة نهالئية وقطعية. وخاصة منها الأسئلة ذات الطابع الميتافيزيقي، أو ما يعرف بالأسئلة الفلسفية والتي يكون الغرض من طرحها البحث عن الحقيقة المطلقة أو الكلية، كحقيقة الوجود ومصدر المعرفة وإمكانيتها، وأصل القيم كالخير والجمال والحق. أو أن نتساءل مثلا عن اختلاف الأعمار بين البشر، و التساؤل عن الروح ماهيتها، فنائها أو خلودها؟ فأسئلة الإنسان كثيرا ما ترتبط بحقائق ما وراء الطبيعة. وخاصة الفيلسوف الذي كثيرا ما يثير أسئلة انفعالية كبرى تخلف توترا وقلقا فكريا ونفسيا عميقا. كأن نسأل عن حقيقة الوجود الإنساني، هل هو حر في أفعاله وتصرفاته؟ ما مصيره؟ فنجد مثلا "باسكال" وهو رياضي وفيلسوف فرنسي كان يتساءل عن حقيقة وضعه في هذا العالم: لماذا معرفتي محدودة؟ لماذا فرضت علي هذه القامة القصيرة؟ لماذا حدد عمري؟ فكلها أسئلة صعبة لا تنتهي دائما إلى حل نهائي.
عرض منطق الخصوم ونقده:
"لكل سؤال جواب".
وفي المقابل نجد لهذه الأطروحة خصوما يزعمون أنه لكل سؤال جواب. انطلاقا من كون الإنسان وبماهيته العقلية وبفضوله ونزوعه المستمر نحو التأمل والبحث عن الحقيقة. يطرح دائما أسئلة محددة تنتهي بالحصول على أجوبة وحلول عملية نافعة. كما أن الأسئلة عندهم أصناف وأنواع وبالتالي فإن طبيعة هذه الأسئلة هي التي تحدد لنا نوع الإجابة عنها. وكأمثلة عن ذلك التساؤلات الاعتيادية البسيطة والمكتسبة، والتي تعبر عن واقع الحياة اليومية للإنسان، والتي غالبا ما تفرض أجوبة تلقائية عفوية تلعب فيها العادة والتقليد دورا أساسيا. كما أنها لا تثير قلقا ولا إحراجا. كأن يسأل مثلا: ما اسمك؟ ما اسم الثانوية التي تدرس فيها؟ 1+1 كم يساوي؟ بالإضافة إلى تلك الأسئلة العلمية والعملية التي ينشغل بها العقل الإنساني أثناء استقرائه للظواهر الطبيعية أو الإنسانية والتي يكون طرحها طرحا أكاديميا دقيقا ينتج عنه استخلاص للمعارف على شكل نظريات وقوانين تفسر لنا تلك العلاقات الثابتة بين الظواهر. مثال ذلك: ما سبب تبخر الماء؟ كيف تتمدد المعادن؟....
      غير أن موقف الخصوم قد تعرض لانتقادات واعتراضات عديدة نظرا لما حوته نظريتهم من نقائص وسلبيات لعل أهمها: أن هذا التصور مجرد وهم من أنصار النزعة الوضعية التي تشكك في قيمة الفلسفة، كما أننا نجد هذا التصور مخالف للمنطق من جهة أن ردة الفعل تلك التي يبديها الإنسان لا يمكن أن يطلق عليها مصطلح (الجواب) بما يعنيه هذا المصطلح، فهناك اختلاف بين الحالتين من حيث الطبيعة فضلا عن أنه مخالف للواقع وتاريخ البشرية عامة وتاريخ العلم خاصة يشهد على أنه ليس لكل سؤال جواب. كما أن أنصار هذا الطرح قد بالغوا في تفسيرهم لعلاقة السؤال بالجواب لأنهم ركزوا على التطابق الموجود بينهما وأهملوا أن هناك بعض الأسئلة التي يطرحها الإنسان ولم يجد لها أجوبة أي لازالت تنتظر حلول.
الدفاع عن الأطروحة بحجج شخصية جديدة:
إن هذه الانتقادات الموجهة للخصوم هي التي تدفعنا للبحث عن حجج جديدة ندافع بها عن الأطروحة القائلة "ليس لكل سؤال جواب"، ولعل من بينها أن العقل المعاصر، عندما طرح سؤالا حول عملية الاستنساخ الباثولوجي (العلاجي): هل هو مفيد أم ضار؟ هل هو شر أم خير؟ هل هو حلال أم حرام؟ فهو ذو أبعاد متداخلة. وبالتالي فالإنسان قد يعيش حالة من التساؤلات المستمرة والمختلفة في صورة إشكاليات كبرى عن حياته وعن علاقته بالآخر، والكون والله، وما تحمله من أبعاد (الخير والشر، اللذة والألم، السعادة والشقاء..)..الخ.
ختاما 
ومما سبق نستنتج أن الأطروحة القائلة "ليس لكل سؤال جواب" أطروحة صادقة والدفاع عنها أمر مشروع وبالتالي يمكننا تبنيها والأخذ برأي مناصريها. حيث قد ثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس بالضرورة أن يجد الإنسان أجوبة لكل ما يطرحه من أسئلة فقد يبقى البعض منها دون إجابة وهذا لا ينقص أبدا من قيمة العقل الّإنساني وسعيه نحو تحصيل المعرفة وشغفه بها. فبماذا نفسر إذن عدم قدرة الكثير من العلماء والباحثين بصفة خاصة عن إيجاد الجواب المناسب والمقنع عن الأسئلة التي تطرحها مختلف المشكلات أو الإشكاليات التي تصادفهم، هذا ما يبرر صحة وصدق الأطروحة التي تقر بأنه ليس لكل سؤال جواب أو أن طرح السؤال لا يعني بالضرورة وجود جواب.

جميع الحقوق محفوظة لــ سلسبيل للتوظيف و التعليم تعديل الياس ©